عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

219

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

الصلاة بحضور قلبه وجمع همه فيدخل في الصلاة بالمعنى الذي كان قبل الصلاة . فكذلك حاله يكون قبل السماع وبعده بمعنى واحد فيكون سماعه متصلا ووجده متصلا وشربه دائما وعطشه دائما ، وكلما ازداد شربه ازداد عطشه ، وكلما ازداد عطشا ازداد شربا ، فلا ينقطع أبدا . حكى الوجيهي أنه كان جماعة من الصوفية متجمعين في بيت ومعهم قوال فهم يقولون ويتواجدون فأشرف عليهم ممشاد الدينوري فلما نظروا إليه سكتوا جميعا فقال لهم ممشاد : ما لكم قد سكتم ، ارجعوا إلى ما كنتم فيه فلو جمع ملاهي الدنيا في أذني ما شغل همي ولا شفى ما بي . قال الشيخ أبو الحسن علي بن عثمان الجلابي في كتاب كشف المحجوب : دخلت يوما في صميم الصيف على الشيخ أبي أحمد بن المظفر بن أحمد بن حمدان بثياب السفر وغبار الطريق فقال لي : يا أبا الحسن إيش إرادتك في الحال . فقلت : السماع ، فاستحضر قوالا وجماعة من أهل السماع ، وكنت على قوة الإرادة وحرقة الابتداء وحدة الشباب ، فلما سمعت السماع استولى عليّ سلطان الوجد واضطربت اضطرابا شديدا ، فلما سكنت غلبات الوقت وسكت القوال ، قال لي الشيخ : كيف وجدت السماع ؟ فقلت : أيها الشيخ استرحت به وطاب وقتي فيه ، فقال : سيجيء وقت يستوي عندك هذا السماع ونعيق الغراب ، فإن قوة السمع تكون عند عدم المشاهدة ، فإذا حصلت المشاهدة اضمحلت ولاية السمع ، فانظر حتى لا يعتاد ذلك ، فتصير طبيعة تمنعك عن الكمال . قال الشيخ أبو نصر السراج - رحمه اللّه - : وهو لا يعني الكبراء ربما يحضرون في هذه المواضع التي فيها السماع لأحوال شتى وجهات مختلفة ، فربما يجتمعون معهم من جهة مساعدة أخ من إخوانهم ، وربما يحضرون لعلمهم ونياتهم وكبر عقولهم حتى تعرفونهم ما لهم وما عليهم من شرائط السماع وآدابها ، وربما يجتمعون مع غير أبناء جنسهم من سعة أخلاقهم وتحملهم ، فيكونون معهم باينين منهم ومنفردين عنهم ببواطنهم ، وإن كانوا مع جلسائهم بظواهرهم . قلت إلى هنا ما ذكره الشيخ الشهيد - رضي اللّه عنه - في فضل السماع من كتابه الموسوم بتحفة البررة . تيمنا بميامن كلماته الشريفة وإشاراته اللطيفة متبركا بنتائج نفائس أنفاسه العزيزة ، ليكون الكتاب بطراز فوائده مطرزا والمتأملون بتناول موائده معززا . فأما اختياري من الأقاويل في السماع ما قال الجنيد - رحمة اللّه عليه - : السماع : حرام على العوام لبقاء نفوسهم . مباح للخواص لوفور علومهم ، واجب على